أبي منصور الماتريدي

339

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ولو كان جزاء لسوى بينهم ، [ و ] « 1 » هو التخليد في النار أبدا . فإن قيل : ما الحكمة في أخذ الجزية من سائر الكفرة إذا كانوا أهل الكتاب أو المجوس ، وترك الأخذ من مشركي العرب ؟ « 2 » . قيل : لوجوه : أحدها : أن ليس لمشركي العرب دين يدينون به يقاتلون عن ذلك الدين ، ولا لهم أصل يعتمدون عليه ، أو كتاب يكلون إليه ، إنما هم قوم يقاتلون عن قبائلهم ، ويتناصرون بهم ، ولغيرهم من الكفرة دين يدينون به ، وأصل يعتمدون عليه ، ويحاجون الناس بالحجاج التي

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) جمهور الفقهاء من الحنفية ، والمالكية ، والشافعية ، والحنابلة ، إلى أن الجزية تقبل من المجوس سواء أكانوا عربا أم عجما . واستدلوا لذلك بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قبلها من مجوس هجر أو البحرين . روى ابن زنجويه بسنده إلى الحسن بن محمد قال : ( كتب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام . فمن أسلم قبل منه ، ومن أبي ضربت عليه الجزية ، وألا يؤكل لهم ذبيحة ، ولا تنكح لهم امرأة ) . وروى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال : ما أدرى كيف أصنع في أمرهم ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف : أشهد إني لسمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » . قال ابن عبد البر : هذا من الكلام العام الذي أريد به الخاص ؛ لأن المراد سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط ، أي تؤخذ منهم الجزية ، كما تؤخذ من أهل الكتاب ، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم . وروى مالك في الموطأ عن ابن شهاب ( أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أخذها من مجوس فارس ، وأن عثمان بن عفان أخذها من مجوس البربر ) . وقد أجمع العلماء على أخذ الجزية من المجوس ، وعمل به الخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم - ومن بعدهم من غير نكير ولا مخالف . وقد نقل هذا الإجماع أكثر من واحد : منهم ابن المنذر وابن قدامة . وذهب ابن الماجشون المالكي إلى أن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب : من اليهود والنصارى ، ولا تقبل من المجوس ؛ لقوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . . . . فإن مفهومها أن غير أهل الكتاب من المجوس وغيرهم لا يشاركونهم في حكم الآية . وذهب ابن وهب المالكي إلى أن الجزية لا تقبل من المجوس العرب ؛ لأنه ليس في العرب مجوس إلا وجميعهم أسلم ، فمن وجد منهم بخلاف الإسلام فهو مرتد . وقد نسب هذا المذهب أيضا إلى الحسن البصري . ينظر : بدائع الصنائع ( 9 / 4329 ) ، وتبيين الحقائق ( 3 / 277 ) ، والهداية ( 2 / 160 ) ، ومجمع الأنهر ( 1 / 670 ) ، وحاشية ابن عابدين ( 4 / 198 ) ، والخراج ( ص 129 ) ، والمدونة ( 1 / 406 ) ، والمقدمات على هامش المدونة ( 1 / 400 ) ، والمنتقى ( 2 / 172 ) ، ونهاية المحتاج ( 8 / 82 ) ، وحاشية قليوبي ( 4 / 229 ) ، ومغني المحتاج ( 4 / 244 ) ، وكشاف القناع ( 3 / 117 ) ، والمبدع ( 3 / 405 ) ، والمغني ( 8 / 498 ) ، والمحلى ( 7 / 567 ) ، وأحكام القرآن لابن العربي ( 2 / 921 ) .